الاثار المترتبة على عقود العمل وحدود مسؤولية أرباب العمل في ازمة كورونا

في ظل الأمة الحالية ، وهو انتشار وباء كورونا ، هناك العديد من الآثار التي تترتب على عقود العمل ، فتختل فيها الموازين وتصبح لدينا دراسة أخرى لتلك الأمور لأنه في هذه الحالة ليس هناك يد لا للعامل ولا لرب العمل في انتشار المرض ، فما هي تلك الآثار التي تترتب حيال ذلك ؟ 

*   في البداية يجب علينا توضيح مفهوم قانون العمل .. فما المقصود به ؟

قانون العمل هو مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم العلاقات المرتبطة بالعمل ، يلتزم بمقتضاها شخص يسمى العامل ، في خدمة شخص آخر يسمى صاحب العمل ، ويكون تحت إشرافه ورقابته مقابل أجر يلتزم صاحب العمل بدفعه له ، ما لم يكن العمل مقدما لصالح الدولة أو غيرها من المؤسسات والهيئات العامة .

أما الآثار المترتبة على عقود العمل في ظل الأزمة الحالية ، فهناك اختلاف بين آراء الفقهاء واختلفوا في مصير العامل ومسؤولية رب العمل ، وما إذا كان ذلك يسبب ظرف طارئ أم قوة قاهرة ، لما بين النظريتين اختلاف كبير . 

اتجه رأي إلى أن عقود العمل تخضع إلى نظرية الظروف الطارئة ، ونظرية الظروف الطارئة هي أن يكون الالتزام مرهقا وغير مستحيل استحالة مطلقة ، أي لا توجد استحالة مطلقة في الالتزام بمبلغ من النقود فهو بطبيعته التزام قابل للتنفيذ ، وبالتالي يرى بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين رب العمل والعامل ، بأن يطلب انقاص الأجر ويتم بالتفاوض بينهما ، وإن لم يتم الاتفاق، فلرب العمل اللجوء إلى المحكمة لرفع الإرهاق وتطبيق الموازنة بين الأطراف . 

واتجه رأي آخر إلى أن عقود العمل تخضع إلى نظرية القوة القاهرة ، وبالتالي يتحلل كل من الأطراف من التزاماتهم ، ولكن حماية لحق العمال فإن القانون ألزم رب العمل بدفع أجور العمال طالما أنه يرغب باستمرار عملهم لديه ، ولا يجوز إنقاص الأجر بأي حال من الأحوال . 

واتجه رأي ثالث إلى أنه يعتبر قوة قاهرة علاوة على أنه يجب وقف عقد العمل مؤقتاً ، فلا يعتبر منهي ، إنما موقوف ، وذلك قياساً على ما حصل بعد الغزو فاعتبرت الفترة تلك عقود العمل موقوفة . 

في حقيقة الأمر للرد على تلك النقاط وتوضيحها فالرأي الثالث كان قاصراً لأنه يقارن بين فترة الغزو العراقي الغاشم بهذه الفترة ، وهو قياس خاطئ ، فتلك الفترة كانت تعتمد على قانون العمل رقم ٣٨ لسنة ١٩٦٤ في شأن العمل في القطاع الأهلي ، معدلاً بالقانون رقم ٢٨ لسنة ١٩٦٩ بالنسبة إلى العلاقات العمالية في قطاع الأعمال النفطية ١ ، ولكن نحن الآن بصدد قانون العمل رقم ٦ لسنة ٢٠١٠ والذي استحدث نص المادة ٦١ والذي لم يكن موجوداً آنذاك ، لذا فما سيتم نقاشه هو الاتجاه الأول والاتجاه الثاني ( الرأي الأول والرأي الثاني ) . 

إن قانون العمل قد أشار إلى عدة نقاط مهمة يمكن أن نستنبط منها الرأي الصائب والصحيح . 

الاتجاه الأول كما ذكرنا يرى بضرورة تطبيق نظرية الظروف الطارئة ، وهو يأخذ بعين الاعتبار المادة ٦١ من قانون العمل ولكن يقول بجواز نقصان الأجر ، فهو هنا يلتزم بدفع المرتب ولكن يجوز النقصان منه وذلك لعدم مخالفة شرعية القانون . 

أشارت المادة ٦١ إلى التزام صاحب العمل ﺑﺪﻓﻊ ﺃﺟﻮﺭ ﻋﻤﺎﻟﻪ ﻃﻮاﻝ ﻓﺘﺮﺓ ﺗﻌﻄﻴﻞ اﻟﻤﻨﺸﺄﺓ ﻛﻠﻴﺎ ﺃﻭ ﺟﺰﺋﻴﺎ ﻷﻱ ﺳﺒﺐ ﺁﺧﺮ ﻻ ﺩﺧﻞ ﻟﻠﻌﻤﺎﻝ ﻓﻴﻪ، ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺭﻏﺐ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ اﺳﺘﻤﺮاﺭ ﻋﻤﻠﻬﻢ ﻟﺪﻳﻪ ، فعبارة لأي سبب آخر شملت الظروف الطارئة والقوة القاهرة ولم تستثني أي ظرف من دفع أجور العمال ، ولكن ، وضع المشرع سلاحاً بيد صاحب العمل وهو انهاء عقد العمل إذا لم يكن يريد أن يستمر هذا العامل لديه ، ويترتب على ذلك بعض الأمور سنوردها لاحقاً .

إذاً ، وكما تم تفسير نص المادة ٦١ بأن رب العمل يلتزم بدفع أجور العمال ، وهذا الالتزام مقرون بشرط وهو طالما أنه يرغب باستمرار عملهم لديه ، فإن لم يرغب باستمرار عملهم لديه كان له الحق بإنهاء عقد العمل وعدم دفع الأجور . 

فالاتجاه الأول ، مع موافقته لنص المادة ٦١ ، فإنه يقول بجواز إنقاص الأجر ، ولكنه هنا أغفل نص المادة ٦٢ والتي نصت على أن لا يجوز تخفيض أجر العامل خلال مدة عمله لأي سبب من الأسباب ، وعبارة لأي سبب من الأسباب مطلقة وواسعة وتشمل كل من الظروف الطارئة والقوة القاهرة ، فالقانون لم يخصص ظروف معينة لإنقاص الأجر، فلا يجوز مخالفة صريح القانون وهو الذي جعل إنقاص الأجر باطل بطلان مطلق ، فلا يمكن تخفيض الأجر إطلاقاً طوال فترة عمله لأي سبب من الأسباب ، مع ربطها بالمادة التي قبلها ( طالما رغب رب العمل باستمرار عملهم لديه ) ، فلم يعجز المشرع عن وضع استثناء لتلك الحالة كما وضعها في  مواد أخرى ولا يمكن الاجتهاد بالرأي طالما كان نص المادة واضح وصريح ولا لبس ولا غموض فيه ، كما لا يجوز اطلاقا الاتفاق على إنقاص الأجر وذلك لأن القاعدة كانت آمرة فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها وإلا اعتبر باطل بطلانا مطلقاً وذلك لمخالفته للنظام العام ، وذلك كما تنص المادة ٢٨ بقولها : " وسواء ﻛﺎﻥ ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﺤﺪﺩ اﻟﻤﺪﺓ ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺪﺩ اﻟﻤﺪﺓ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺗﺨﻔﻴﺾ ﺃﺟﺮ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﺧﻼﻝ ﻓﺘﺮﺓ ﺳﺮﻳﺎﻥ اﻟﻌﻘﺪ. ﻭﻳﻌﺘﺒﺮ ﺑﺎﻃﻼً ﺑﻄﻼﻧﺎً ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻟﺘﻌﻠﻘﻪ ﺑﺎﻟﻨﻈﺎﻡ اﻟﻌﺎﻡ ﻛﻞ اﺗﻔﺎﻕ ﺳﺎﺑﻖ ﻋﻠﻰ ﺳﺮﻳﺎﻥ اﻟﻌﻘﺪ ﺃﻭ ﻻﺣﻖ ﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻪ ﻳﺨﺎﻟﻒ ﺫﻟﻚ " . 

إذا ، نستخلص من الرد على الاتجاه الأول بأن يلتزم صاحب العمل ﺑﺪﻓﻊ ﺃﺟﻮﺭ ﻋﻤﺎﻟﻪ ﻃﻮاﻝ ﻓﺘﺮﺓ ﺗﻌﻄﻴﻞ اﻟﻤﻨﺸﺄﺓ ﻛﻠﻴﺎ ﺃﻭ ﺟﺰﺋﻴﺎ ﻷﻱ ﺳﺒﺐ ﺁﺧﺮ ﻻ ﺩﺧﻞ ﻟﻠﻌﻤﺎﻝ ﻓﻴﻪ ، ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺭﻏﺐ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ اﺳﺘﻤﺮاﺭ ﻋﻤﻠﻬﻢ ﻟﺪﻳﻪ ،  ولا يجوز تخفيض أجر العامل خلال مدة عمله لأي سبب من الأسباب وذلك بشكل مطلق ، ويترتب على مخالفته البطلان المطلق وذلك لتعلقه بالنظام العام . 

أما بالنسبة للاتجاه الثاني ، وهو الذي يقول بأن عقود العمل تخضع إلى نظرية القوة القاهرة ، وبالتالي يتحلل كل من الأطراف من التزاماتهم ، ولكن حماية لحق العمال فإن القانون ألزم رب العمل بدفع أجور العمال طالما أنه يرغب باستمرار عملهم لديه ، ولا يجوز إنقاص الأجر بأي حال من الأحوال . 

حقيقة فهذا ما نؤكد عليه ، وهو الرأي الراجح والذي نميل له ، فهو يقر بشرعية القانون ولا يجتهد أمامه خاصة ولما كان النص صريح وواضح ولا لبس فيه . 

أما عن حدود مسؤولية أرباب العمل في هذه الأزمة ، فكما قلنا بأن القانون وضع سلاحاً بيد رب العمل بأنه إن لم يرغب بدفع الأجور فله الحق بإنهاء العقد .

ولكن القانون كفل حقوق العمال ، فقد أشارت المادة ٥٢ بأن يستحق اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻣﻜﺎﻓﺄﺓ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺨﺪﻣﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ اﻷﺣﻮاﻝ اﻟﺘﺎﻟﻴﺔ : ( وأشارت إلى ٤ أحوال ) ، ولكن ما هو في صلب الموضوع هي الحالة الأولى وهي إذا اﻧﺘﻬﻰ اﻟﻌﻘﺪ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ .
فبالتالي ، يستحق العامل مكافأة نهاية الخدمة كاملة ، هذه بالنسبة للضمانة الأولى للعامل ولأخذ حقه بعد انتهاء العقد . 

وقد أشارت المادة ٧٢ إلى حق آخر للعامل بقولها للعامل الحق في الحصول على مقابل نقدي لأيام إجازاته السنوية المجتمعة في حالة انتهاء عقده .

هذه الحقوق متولدة من نص القانون ، وللعامل أن يأخذ حقوقه كاملة بعد انتهاء عقده نظير عدم استطاعة رب العمل بدفع الأجر وعدم رغبته باستمرار العامل لديه ، ولا يجوز الانتقاص من هذه الحقوق إلا بحالات محددة على سبيل الحصر في قانون العمل وليس من بينها هذه الحالة المنصوص عليها في المادة ٦١ . 

ولكن ، هناك حق آخر وهو متعلق بالإنهاء المبكر والمفاجئ لعقد العمل ،  وهناك يتم التفرقة بين العقد محدد المدة والعقد غير محدد المدة ، ففي العقد غير محدد المدة بشكل عام وكي يتم انهاء عقد أحد العمال يجب إخطار العامل بإنهاء العقد ، وإن لم يتم الإخطار وتم إنهاؤه بشكل مفاجئ ، فإن رب العمل يلتزم بأن يدفع للطرف اﻵﺧﺮ ﺑﺪﻝ ﻣﻬﻠﺔ اﻹﺧﻄﺎﺭ ﻣﺴﺎﻭﻳﺎ ﻷﺟﺮ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻦ ﻧﻔﺲ اﻟﻤﺪﺓ . 

فقد اختلف الفقه ، منهم من قال بأن هذه الظروف ليست عادية وبالتالي لا يحق له أخذ بدل مهلة الإخطار ، ولكن من وجهة نظرنا فإن هذا البدل حق ثابت للعامل طالما كان العقد غير محدد المدة ، وبغض النظر عن أسباب رب العمل ، وبغض النظر تحت أي ظرف تم الأمر ، إلا أنه يستحقه طالما كان العقد غير محدد المدة . 

أما بالنسبة للعقد محدد المدة ، فقد نصت المادة ٤٧ : " إذا ﻛﺎﻥ ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﺤﺪﺩ اﻟﻤﺪﺓ ﻭﻗﺎﻡ ﺃﺣﺪ ﻃﺮﻓﻴﻪ ﺑﺈﻧﻬﺎﺋﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﺣﻖ اﻟﺘﺰﻡ ﺑﺘﻌﻮﻳﺾ اﻟﻄﺮﻑ اﻵﺧﺮ ﻋﻤﺎ ﺃﺻﺎﺑﻪ ﻣﻦ ﺿﺮﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻻ ﻳﺠﺎﻭﺯ ﻣﺒﻠﻎ اﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﻣﺎ ﻳﺴﺎﻭﻱ ﺃﺟﺮ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻦ اﻟﻤﺪﺓ اﻟﻤﺘﺒﻘﻴﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺪ ... " 

هنا فإن رب العمل غير ملزم بتعويض العامل ، لأن نص المادة أشار إلى عبارة ( بغير حق ) ولكن رب العمل كان له الحق كما تطرقنا لذلك سابقاً بأن يحق له أن ينهي عقد العمل في الظروف الاستثنائية التي ذكرت في المادة ٦١ في حالة عدم رغبته باستمرار العامل لديه ، وبالتالي كان لرب العمل الحق بإنهاء العقد وبالتالي لا يحق للعامل مطالبة رب العمل بالتعويض المذكور في المادة . 

إذا ، نستخلص مما سبق ، بأن حدود مسؤولية رب العمل في ظل هذه الأزمة كالتالي : 
-       إذا أراد استمرار العمال لديه فعليه دفع أجورهم . 
-       إذا لم يرغب باستمرار عملهم لديه فله الحق بإنهاء العقد . 
-       إذا أنهى العقد ، عليه أن يعطي العامل مكافأة نهاية الخدمة ، وأن يدفع للعامل مقابل نقدي لأيام إجازاته السنوية المجتمعة ، وأما بالنسبة للعقود غير محددة المدة فإن كان إنهاء العقد بشكل مفاجئ فإن العامل يستحق بدل مهلة الإخطار . 

وفي الختام نسأل الله السلامة للجميع وأن يذهب الوباء عن البلاد والعباد ، وإن وفقت في هذا البحث للحق فهو بفضل الله سبحانه وإن كان غير ذلك فهو من نفسي ومن الشيطان . 

نسأل الله التوفيق . 




المحامي / علي القلاف 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قرارات مجلس الوزراء .. إلى أين ؟

جيب المواطن الكويتي خط أحمر ، والعدل والمساواة دعامات المجتمع